الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

فكر وإبداع



جدارية

الفن المعاصر في تونس فن يبحث عن تاريخه المحلي


عمر الغدامسي

هناك حادثة طريفة ومعبرة وقعت في متحف«Museion Bozen-Bolzano» بجنوب ايطاليا في شهر اكتوبر من سنة 2015 عندما اعتقدت عاملتا التنظيف التابعتان للمتحف بأن العمل الفني المتكون من أعقاب السجائر وعلب الشمبانيا الفارغة والقصاصات الورقية والاشرطة، هو جزء من القمامة التي من وظيفتهما إزالتها. هذه الحادثة يمكننا اعتبارها معيارا لقيس تلك المسافة الفاصلة، في ذهن الجمهور العادي، على الاقل بين الفن الحديث والفن المعاصر، بين لوحة معلقة على الجدار ومهما كانت قيمتها الجمالية والمادية وتنصيبة لا تستند الى حراسة رمزية كتلك التي تتوفر ضمنيا للوحة أو للمنحوتة او المحفورة. عل بعضكم شاهد فيلم «المربع» للمخرج السويدي روبرت أستلوند والفائز السنة الفارطة في «كان» بالسعفة الذهبية، حيث يصور الفيلم مشهدا من داخل متحف للفن المعاصر، يصور اقتلاع منحوتة اثرية كلاسيكية ويتم تعويض حيزها بمربع بسيط الشكل وفي مشهد آخر من الفيلم يقوم أمين المتحف بمحاولة إصلاح قطعة فنية بدت له سهلة الانجاز لأنها بمواصفات الفن المعاصر لكنه ينتهي الي تخريبها باعتقاد منه ان اصلاح قطعة فنية معاصرة يتكلف نفس الجهد ونفس البراعات التي يحتاجها اصلاح الحنفية مثلا. سواء في حالة المتحف الايطالي اوالسويدي، يبدو أننا لا نقل دوغمائية عن تلك المقولة التي تستند اليها تعريفات الفن المعاصر بربطه بالجمهور، لقد قرأنا ومنذ اشهر هنا وهناك «شذرات» تختزل احكاما وتعريفات للفن المعاصر ، سواء من باب التفاعل اوالانتقاد لايام قرطاج الجهوية والدولية للفن المعاصر قبل انطلاقتها، أي بمنطق هذا على الحساب قبل ان يفتح الكتاب. حيث نجد في تلك التعليقات مثالا في معرفة كيفية خوض المعارك الفكرية والسجالية بأسلوب المعارك السياسية بقذاراتها، وهو حال يثير الاستغراب خاصة وأنه نابع ضمنيا ممن يدعون الثقافة والبحث الاكاديمي. ويزداد استغرابنا عندما نعلم أولا أن مفهوم الفن المعاصر، لا يزال حتى في موطنه الاصلي أي الغرب مفهوما ملتبسا ومحل نقاش فكري ومفاهيمي الى الآن وهي سجلات في جانب مهم منها بصدد اعادة طرح الشكوك والانتقادات الخاصة بالسوق الفنية العالمية . ثانيا فإن ما نعرفه أنه ليست المرة الاولى التي يتم فيها بعث مشروع ما تحت اسم الفن المعاصر، حيث سبق وفي مرات عديدة أن نظمت معارض كبرى لاساليب الفن المعاصر بتونس، سواء ضمن تظاهرة «جو» أو في متحف مدينة تونس في بداية الالفية اوفي الفضاء الحر بالتياترو، حتى أنه يمكننا تعداد العشرات . حسنا، وهنا تأتي ثالثا، نحن لدينا عديد الفنانين المعاصرين في فن التنصيبات والفيديووالبرفرمانس والفن المفاهيمي، فهل ننفي وجودهم لمجرد اننا نشك في وجود فن معاصر. رابعا هناك مقولة لغوغان تقول « ..الفن من أجل الجمال نعم .الفن من اجل الحياة نعم ..الفن من أجل المجتمع نعم ..المهم ان يكون فنا». فنحن لا نشكك في الفن الحديث لمجرد وجود لوحات اومنحوتات رديئة وهذا ما نطلبه ايضا بالنسبة إلى الفنّ المعاصر.

لقد مثلت أيام قرطاج الجهوية والدولية للفن المعاصر، فرصة لم تكن بالثمينة لدى البعض لطرح الاسئلة والاشكاليات باخلاقيات البحث العلمي أو النقد المنهجي، بقدر ما اطلقت العنان للهستيريا والتشويهات ولم تترك خلفها الا ذلك الغبار الذي يخلفه قطاع الطرق . في المقابل كانت هذه الايام وفي اليوم الموالي من إنطلاقتها الرسمية يوم السبت المنقضي، مناسبة لجمع الشهادات حول سؤال بسيط يخص تاريخ الفن المعاصر في تونس وذلك من خلال مائدة مستديرة ضمن البرنامج الموازي للايام نظمها اتحاد الفنانين التشكيليين بالمركز الثقافي الدولي بالحمامات. على مستوى المحتوى أي الشهادات المقدمة فانها مثلت لبنة مهمة لكتابة جزء من تاريخ فنوننا. وصفناها باللبنة لأنه كان بالإمكان أحسن مما كان لو تجمعت شهادات وقراءات اكثر تعزز اوتفند بعضا مما ذكره مثلا الفنان صالح بن عمر أو ما كتبه فاتح بن عامر . فنحن وكما ذكرت فاتن الرويسي وهي فنانة لها تجارب متعددة في الفن المعاصر، نفتقد لأطر العمل المؤسساتي والمتمثل خاصة في غياب التوثيق . فانا شخصيا وخلال الندوة استرجعت عدة معارض انتظمت هنا وهناك ولم اجد لها فيما بعد أية وثيقة توثقها .تذكرت مثلا معرضا مهما انتظم بدار الفنون بالبلفدير، في اواسط التسعينات وكان عبارة عن تنصيبات وأعمال ضمن موضوع واحد هوالمقص بكل معانيه ووظائفه ورمزياته . في شهادة قدمت ضمن ذلك اللقاء نذكر صالح بن عمر الذي تحدث عن رضا بن عبدالله الذي عرض بقاعة الاخبار تنصيبة سنة 1972 وقد كتب عنها انذاك عمر القيزاني وهو ناقد صحفي مقالا يصفها بالسطحية والشعوذة، نفس الفنان قدم ايضا ووفق شهادة صالح بن عمر تنصيبة برواق ارتسام وعنوانها «الغرفة الخضراء» وذلك بين سنتي 74 و75 .نفس الشهادة ذكرت تنصيبة تعود لنفس الفترة لفاطمة الشرفي وقد قدمتها بقابس. أما فاتح بن عامر فقد تناول عدة تجارب سابقة من الفن المعاصر في تونس مثل تجربة شيم وعبدالرزاق الساحلي ونادية الجلاصي وعائشة الفيلالي وهو من اعتبر ايضا في شهادته أن عبد الحميد عمار كان اول من قدم تجربة في الفن المعاصر في تونس في أواخر الستينات وهو بهذه المعلومة يخالف ما جاء في شهادة صالح بن عمر، عندما ذكر اسم رضا بن عبدالله والذي تعود تنصيبته الاولى الى سنة 1972 . شخصيا أشكك والى حد كبير في ان يكون عبد الحميد عمار قد اهتم بفن التنصيبة اصلا كما أشكك في التاريخ والذي اعاده الصديق فاتح بن عامر الى أواخر الستينات . اقول هذا من باب الشهادة والتي تقوم على المشاهدة والرواية وليس على الوثيقة المكتوبة وهو حال اغلبنا في مثل هذا الموضوع . فلوكان معرض عبد الحميد بن عمار في أواخر الستينات فذلك يعني قبل دخولي للمدرسة وقبل إمتلاكي القدرة العمرية والذهنية لقطع المسافة من بيتنا بالمدينة العتيقة (نهج العزافين) انذاك نحو قاعة الاخبار. فأنا شاهدت وحضرت معرض عبدالحميد عمار وبقي ذلك المعرض حيا في ذاكرتي وخاصة فراشيه المكسرة والمنشورة وإعلانه عن موعد انتحاره وتحديده موعدا لذلك بقاعة الاخبار وقد كنت من بين من كانوا في الموعد انذاك. ما أردت قوله هنا ان ذلك المعرض لعبد الحميد عمار كان في بداية الثمانينات، هذا على مستوى التاريخ اما على مستوى المفاهيم فإن ما قام به عبد الحميد عمار انذاك كان بمثابة حركة احتجاجية وإجتماعية بدليل وجود لوحات معلقة وهذا يقودنا الى السؤال الاهم وهو: كيف نكتب تاريخ الفن المعاصر في تونس؟ هل أن ما تم ذكره من تجارب ريادية هي مجرد محاولات هامة للابداع خارج الوسائط التقليدية أم هي تجارب مفاهيمية ومعاصرة؟!

هل يمكن الحديث عن فن معاصر، من خلال تلك التجارب، في غياب شروط محددة ومكملة للعمل الفني المعاصر مثل التوثيق والتصوير والنص المكتوب بحكم أنها أعمال زائلة ومفاهيمية وكذلك في ظل غياب شروط مؤسساتية قام عليها الفن المعاصر، أي المؤسسة الفنية والمتحف والرعاة؟!!